
مقدمة: في قلب الأزمة يولد الحل
في وطنٍ أنهكته الحروب المستمرة، وتنازعته الولاءات الضيقة، تبرز مبادرة “السودان أولاً” كأول خارطة طريق وطنية صاغها الوعي الجمعي لا القرارات النخبوية. إنه مشروعٌ يُعيد تعريف مفهوم “الاسترداد الوطني” من صيغته السياسية التقليدية إلى معناها الجوهري: أن يسترد الشعب زمام المبادرة بخطة عمليّة واضحة، قابلة للتنفيذ الفوري، ولا ترتهن لإذنٍ من سلطة أو تفويضٍ من جهة.
- من الفكرة المجردة إلى الفعل الميداني
إن “السودان أولاً” ليست مجرد بيان إنشائي أو حراك شعبي عابر، بل هي استراتيجية وطنية متكاملة تُترجم الطموح إلى مراحل زمنية تمتد لعشرين عاماً؛ تبدأ من احتواء تداعيات الحرب الحالية (المرحلة الأولى)، وصولاً إلى تبوُّء السودان مقعد الريادة العالمية (المرحلة الرابعة).
وتنطلق المبادرة من مبدأ مفاده: “أن التغيير لا ينتظر قائداً يوجهه، بل يبدأ من كل فرد يدرك واجباته اليومية”. وعبر تنظيم المجتمع في “ركائز” و”ألفيات” و”عشريات”، يتحول كل حيّ إلى نواة دولة مصغرة، ويصبح كل مواطن جزءاً من منظومة إصلاحية صاعدة تُفرز مجلس أمناء الدولة وحكومة الأزمة كنتاج طبيعي لوعي شعبي منظم.
- معالجة الجذور وتجاوز سياسة “تسكين الأوجاع”
طوال عقود من التعثر السياسي، انشغلت الحكومات المتعاقبة بتغيير الوجوه لا المناهج، وأُهدرت الموارد في مشاريع افتقرت إلى قاعدة مجتمعية تحميها. وهنا تأتي “السودان أولاً” لتصحيح المسار عبر القاعدة الذهبية: (لا تنمية بلا مواطن واعٍ ومنظم، ولا دولة بلا ركائز مجتمعية صلبة).
فالركيزة الواحدة — بوصفها وحدة بنائية من مئة فرد — كفيلة بتحويل “الهم الوطني” من جدل نظري إلى خطة عمل وسلوك مدني ممارس.
- سيادة الوعي الذاتي: لا إذن من أحد
ما يميّز هذه الخارطة عن كافة المشاريع السابقة هو استقلاليتها التنفيذية؛ فهي لا تحتاج إلى تصاريح حكومية أو تمويلات خارجية لتنطلق، بل ترتكز حصراً على الفرد المؤمن بها في محيطه المحلي.
تماماً كما تُبذر الحبوب في الأرض العطشى، تتضاعف هذه الركائز في الأحياء والمدن لتشكل غابة من الوعي الوطني، قادرة على محاصرة الفساد واللامسؤولية عبر التنظيم الذاتي.
- التراتبية الزمنية: من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل
تخضع المرحلتان الأولى والثانية لإدارة “حكومة الأزمة”، المنوط بها إنهاء الحرب وجبر الضرر وإعادة توحيد مؤسسات الدولة. عقب ذلك، تنتقل المسؤولية إلى “حكومة صناعة السودان العظيم” (GSMG) لتقود مرحلة البناء الشامل، وصولاً إلى مرحلة “الريادة العالمية” تحت إدارة حكومات ديمقراطية مستقرة تصون المنجز وتطوره.
بهذا التسلسل، يصبح بناء الدولة مشروعاً وطنياً عابراً للأجيال، لا مجرد مغامرة سياسية مؤقتة.
- الرؤية الاستراتيجية: من المحلية إلى الريادة الدولية
إن قراءة المرحلتين الثالثة والرابعة تكشف عن طموحٍ واقعي لسودانٍ يقود القارة الأفريقية؛ وطنٍ يمتلك نظاماً تعليمياً عالمياً، وصناعة وطنية متطورة، وسيادة مؤسسية راسخة.
هي ليست “يوتوبيا” حالمة، بل خارطة طريق لدولة تُصدّر الدعم ولا تتسوله، وتستعيد مكانتها المرموقة في المحافل الدولية.
خلاصة: الطريق يبدأ بـ “أنت”
إن القوة الكامنة في “السودان أولاً” تكمن في أنها لا تترقب ظهور “بطل منقذ”، بل تصنع من كل سوداني بطلاً في موقعه. فكل أسرة وحيّ بإمكانهم البدء فوراً دون انتظار ميزانيات رسمية؛ فالتغيير يتطلب فقط قراءة الخارطة، وفهم أبعادها، والشروع في تطبيقها ميدانياً.
النداء الأخير:
وسط حطام الدمار، تقول المبادرة لجميع السودانيين: “ابدأوا بأنفسكم.. فالمستقبل يُصنع ولا يُمنح”. وبين الركيزة الأولى والريادة العالمية، يمتد طريقٌ واضح لا يمر عبر السلاح أو المحاصصات، بل عبر التنظيم الشعبي الواعي.
اترك تعليقاً