
الأربعاء 24 ديسمبر 2025م
رؤية “السودان أولاً” لضبط السلاح وبناء المنظومة الأمنية
(من الحرب إلى الدولة ثم الريادة)
مقدمة عامة
تنطلق رؤية “السودان أولاً” في التعامل مع الملف الأمني من مبدأ سيادي واضح:
“لا استقرار سياسي ولا تعافٍ اقتصادي ولا انتقال ديمقراطي مستدام دون أمن موحد، مهني، وغير مسيس.”
وعليه، جاءت خارطة الطريق الأمنية كمعالجة مرحلية متدرجة، تراعي واقع الحرب والانهيار، ثم التعافي، فإعادة البناء المؤسسي، وصولاً إلى التطوير النوعي والاستدامة تحت الحكم الدستوري الديمقراطي.
المرحلة الأولى: مرحلة الحرب الحالية
الهدف: وقف الانهيار وضبط الفوضى
هدفت هذه المرحلة إلى منع تفكك الدولة وحماية المجتمع في ظل تعدد السلاح، وإنهاك القوات النظامية، وغياب الدولة عن مساحات واسعة.
المعالجة المعتمدة:
الأمن المجتمعي الوقائي عبر:
الركيزة (1.1): الرصد الاجتماعي المبكر.
الألفية (1.2): احتواء النزاعات ومنع تمددها.
الأمن المحلي المنظم عبر:
قوات حفظ السلام المحلية (1.3.4): لحماية الأحياء والأعيان المدنية.
اللجان الأمنية لمجالس نخب العشريات : كأجهزة إنذار مبكر.
التصعيد المؤسسي:
المحلية (1.4): حملات أمنية منظمة ضد بؤر الجريمة.
الولاية (1.5): توحيد الجهد ومعالجة الجرائم العابرة.
الحسم السيادي:
حكومة الأزمة (1.9.3): تصفية الميليشيات تفاوضياً، مع الاحتفاظ بحق استخدام القوة ضد أي جهة ترفض نزع السلاح.
نتيجة المرحلة: كبح الفوضى، تثبيت حد أدنى من الأمن، وتهيئة الظروف لإنهاء الحرب.
المرحلة الثانية: مرحلة التعافي
الهدف: إدارة الانتقال الأمني
مع توقف القتال، انتقلت الدولة من منطق الحرب إلى ضبط انتقالي للسلاح ومنع الارتداد الأمني.
الإجراءات الأساسية:
إنهاء الترتيبات الأمنية المؤقتة داخل المدن.
تحويل المقاتلين غير المنضبطين إلى قوات حرس حدود مؤقتة:
مهام سيادية منخفضة الاحتكاك المدني.
قيادة مركزية وتجريد كامل من الولاءات الموازية.
تأمين الحدود (2.2) لمنع تهريب السلاح وإعادة تدوير الصراع.
ربط الأمن بعودة الحياة المدنية والنشاط الاقتصادي.
البند 2.7 – إصلاح وهيكلة قطاع الأمن (SSR):
يمثل هذا البند التحول المؤسسي الحاسم، ويشمل:
توحيد القيادة والعقيدة العسكرية.
بناء جيش وشرطة مهنيين غير مسيسين.
ضبط الصلاحيات، والحوكمة، والرقابة المدنية.
إنهاء أي ازدواج أو تشكيلات مسلحة موازية.
نتيجة المرحلة: إرساء إطار مؤسسي سليم للأمن يمهد لبناء الدولة الحديثة.
المرحلة الثالثة: مرحلة بناء الدولة
الهدف: إغلاق ملف السلاح اجتماعياً
البند 3.1 – نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR):
يعالج هذا البند الإنسان المسلح لمنع عودة الحرب، عبر:
نزع السلاح خارج إطار الدولة.
تسريح المقاتلين وفك الارتباط مع الحرب.
إعادة الدمج من خلال: (التشغيل والتدريب، الدعم النفسي والاجتماعي).
في رؤية “السودان أولاً”، يُعد (DDR) برنامجاً تنموياً اجتماعياً بقدر ما هو أمني، يهدف إلى تفكيك جذور العنف لا مظاهره فقط.
التكامل بين (SSR) و(DDR):
(SSR) يُصلح المؤسسة.
(DDR) يُصلح المجتمع.
لا ينجح أحدهما دون الآخر.
نتيجة المرحلة: إغلاق ملف السلاح بنيوياً وترسيخ استقرار الدولة.
الدور الحيوي لقوات حفظ السلام المحلية في سد الفجوة الأمنية الانتقالية
تمثل قوات حفظ السلام المحلية التي أُطلقت وفق البند (1.3.4) ركيزة انتقالية محورية في المسار الأمني لرؤية “السودان أولاً”. فقد عُوِّل عليها منذ مرحلتي الحرب والتعافي لسد النقص الناتج عن ضعف أو إنهاك مؤسسات الجيش والشرطة، في ظل فراغ أمني واسع وعجز الدولة عن بسط حضورها الكامل داخل المجتمعات المحلية.
خلال المرحلة الأولى، اضطلعت هذه القوات بحماية الأحياء والأعيان المدنية، وضبط التفلت، ومنع انهيار النسيج الاجتماعي؛ مستندة إلى كونها قوات من أبناء المجتمعات نفسها، اختير أفرادها وفق معايير أخلاقية وسلوكية صارمة، وأثبتوا قدرتهم على إرساء السلام واحتواء النزاعات في أصعب الظروف.
وفي مرحلة التعافي، استمر الاعتماد عليها كقوة مساندة ضرورية إلى حين اكتمال الانتقال المؤسسي. ولم يكن دورها بديلاً دائماً للمؤسسات النظامية، بل حلاً انتقالياً واعياً يمنع الانتكاس الأمني.
ومع تنفيذ (SSR 2.7) و(DDR 3.1)، يُعوَّل على هذه القوات بوصفها خزاناً بشرياً مؤهلاً لسد النواقص المؤقتة في الجيش والشرطة، نظراً لاستيفائهم الشروط وإثبات جدارتهم العملية خلال فترات الفراغ الأمني، بما يضمن انتقالاً سلساً من الأمن المجتمعي الاضطراري إلى الأمن النظامي المستدام.
المرحلة الرابعة: مرحلة الريادة والاستدامة
الهدف: التطوير النوعي تحت الحكم الديمقراطي
تنطلق هذه المرحلة بعد: إنهاء الحرب وضبط الأمن الداخلي، اكتمال إصلاح قطاع الأمن (SSR)، إغلاق ملف السلاح اجتماعياً (DDR)، واستقرار الحكم الدستوري الديمقراطي.
ملامح التحول:
الجيش الوطني: جيش احترافي عالي التقنية، بعقيدة دفاعية، يركز على السيادة والحدود والمصالح الاستراتيجية، مع تحديث القيادة والسيطرة وتوطين جزء من الصناعات الدفاعية.
الشرطة: مؤسسة مدنية خدمية تعتمد الشرطة المجتمعية والرقمنة، وتكافح الجريمة المنظمة وتحمي الحقوق وفق الدستور الدائم.
التعليم والتأهيل: تحديث الكليات والمعاهد العسكرية والشرطية (القانون الدولي الإنساني، حقوق الإنسان، القيادة الحديثة، الأمن السيبراني، البحث الاستراتيجي).
حرس الحدود والأمن البحري: قوة دائمة محترفة بأنظمة مراقبة حديثة، مع تطوير حماية السواحل والموانئ.
الأمن التقني والاستخباري: أقمار صناعية، تحليل بيانات، حماية الفضاء السيبراني والبنية الرقمية.
الحوكمة: خضوع كامل للدستور الدائم والرقابة الديمقراطية، ومنع التسييس والفصل التام بين الأمن والسياسة.
الخلاصة النهائية
وفق رؤية “السودان أولاً”، ينتقل السودان أمنياً عبر مسار واضح:
المرحلة الأولى: كبح الفوضى وإنهاء الحرب.
المرحلة الثانية: ضبط الانتقال وبناء الإطار المؤسسي (SSR).
المرحلة الثالثة: إغلاق ملف السلاح اجتماعياً (DDR).
المرحلة الرابعة: التفوق النوعي والاستدامة.
وبذلك يتحول الأمن من عبء حرب وانقسام إلى قوة دولة سيادية، تحمي الإنسان، وتصون الدستور، وتدعم الاستقرار والتنمية، وتؤهل السودان للريادة الإقليمية والدولية
اترك تعليقاً